حمزة العطار
منذ انطلاق مسار التفاوض مع إسرائيل، اتضحت معادلة الموقف: طرف لبناني يدخل بموقع الطالب، وطرف إسرائيلي يدخل بموقع المُملي. ففيما قدّمت الدولة اللبنانية سلسلة تنازلات متتالية، قابلتها إسرائيل بمزيد من الشروط والتعنت.
فقد وُضعت على الطاولة مقترحات تتعلق بسحب السلاح، وتسليم مناطق، وفتح مسارات، وتقديم تعهدات أمنية، من دون أن تقابلها خطوة مقابلة حقيقية. لم تنسحب إسرائيل من النقاط المحتلة، ولم توقف اعتداءاتها الجوية، ولم تقدم أي ضمانات ذات قيمة.
والأخطر أن هذا المسار يجري برعاية مباشرة من رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة. بدل أن تؤديا دور الضامن للمصلحة الوطنية، تحولتا إلى أداة لتسويغ التنازلات وتسريعها. فالرئيس يكتفي بخطاب عام عن "الاستقرار" والصور الدبلوماسية، ورئيس الحكومة يتعاطى مع الملف كأنه معاملة إدارية تمرر وفقاً للإملاءات الخارجية.
إن الحديث عن "المسار الدبلوماسي لحماية لبنان" يفقد معناه عندما يكون الثمن تسليم الأوراق كاملة قبل الحصول على أي مقابل. فالحماية الحقيقية لا تُبنى على التفريط، بل على استعادة التوازن في التفاوض.
إسرائيل لا تتنازل لأنها لا تشعر بالحاجة إلى ذلك. هي ترى سلطة منقسمة، وحكومة ضعيفة، ورئاسة تبحث عن شرعية خارجية على حساب الموقف الوطني. لذلك تصعّد الشروط وتزيد من سقف مطالبها، على يقين بأن لا رادع ولا محاسبة.
وهكذا يتحول التفاوض إلى عملية استسلام مجزأة: تنازلات بلا سقف، وتكبر بلا حدود، وتراجع في كل جولة. فإذا استمر الأمر على هذا المنوال، فإن ما يجري ليس تسوية، بل تثبيت لشروط الهزيمة.
الشعب الذي دفع دماً في الجنوب والضاحية، لن يقبل أن يُدفع ثمن صموده مرة أخرى، ثمناً لطموحات شخصية وصور إعلامية لا تغيّر من واقع الذل شيئاً، ولن يرضى بهكذا رؤوس للحكم عليه، وكل ما تقوم به الحكومة ورئاسة الجمهورية سيعود بائعات سلبية ربما تصل إلى إسقاط الحكم والحكومة، لا اقول تمنيات بل هي وقائع تفرضها طريقة الذل التي يتصرفون بها، ويبدو أن القادم بات قريب، بل أقرب مما يظنون . صبر ساعة، بعدها سيأتي الفرج .